محمد جمال الدين القاسمي
318
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقوله وَالَّذِينَ هادُوا أي تهودوا . يقال : هاد يهود ، وتهوّد ، إذا دخل في اليهودية . هو هائد ، والجمع هود . وهم أمة موسى عليه السلام ، وإنما لزمهم هذا الاسم ، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة ، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم ، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب ( بالذال المعجمة - فقلبتها العرب دالا مهملة ) . وقوله تعالى : وَالنَّصارى جمع نصران ، كندامى جمع ندمان ، يقال : رجل نصران ، وامرأة نصرانة ، والياء في نصرانيّ للمبالغة ، كما في أحمريّ ، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام - كذا في الكشاف - أو هو جمع نصرانيّ ، مغيّر عن ناصريّ ، نسبة إلى ناصرة - القرية المعروفة - وقد نسب إليها المسيح عليه السلام ، لأنه ربّي بها . وجاء في الإنجيل « يسوع الناصريّ » . وقوله تعالى : وَالصَّابِئِينَ جمع صابئ ، ويقال لهم الصابئة . قال ابن جرير : الصابئ هو المستحدث ، سوى دينه ، دينا ، كالمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه . وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب « صابئا » يقال منه : صبا فلان يصبو صباء ، ويقال : صبأت النجوم إذا طلعت . وقد اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم ، من أهل الملل . فقال بعضهم : يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين . وقالوا : الذي عنى الله بهذا الاسم قوما لا دين لهم . فعن مجاهد : الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ، ولا دين لهم . وعن ابن زيد : الصابئون دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل ، يقولون لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبيّ . وعن قتادة : أنهم قوم يعبدون الملائكة . وقال الإمام الشهرستانيّ ، في الكلام عن الصابئة ما مثاله : والصبوة في مقابلة الحنيفية . وفي اللغة : صبا الرجل إذا مال وزاغ . فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة . وهم يقولون : الصبوة هو الانحلال عن قيد الرجال . وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين ، كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين . والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب ، الحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة . فدعوة الصابئة إلى الاكتساب ، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة . فالصابئة قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية ، ولا يقولون بالشريعة والإسلام . فيقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد . والصابئة الأولى الذين قالوا بعاذيمون وهرمس ، وهما شيت وإدريس ، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء . وهم أصحاب الروحانيات . فيعتقدون أن للعالم صانعا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان .